أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
72
العقد الفريد
سوء معاشرة الناس قالوا : الناس شجرة بغي . لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة . ورضا الناس غاية لا تدرك . ومنه الحديث المرفوع : « الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة » . ومنه قولهم : الناس يعيّرون ولا يغفرون ، واللّه يغفر ولا يعيّر . وقال مالك بن دينار : من عرف نفسه لم يضره قول الناس فيه . وقول أبي الدرداء : إن قارضت الناس قارضوك ، وإن تركتهم لم يتركوك . الجبان وما يذم من أخلاقه منه قولهم : إنّ الجبان حتفه من فوقه . وهو قول عمر بن مامة : لقد وجدت الموت قبل ذوقه * إنّ الجبان حتفه من فوقه قال أبو عبيد : أحسبه أراد أن حذره وتوقّيه ليس بدافع عنه المنيّة . وهذا غلط من أبي عبيد عندي ، والمعنى فيه أنه وصف نفسه بالجبن ، وأنه وجد الموت قبل يذوقه ، وهذا من الجبن ، ثم قال : إنّ الجبان حتفه من فوقه يريد أنه نظر إلى منيته كأنما تحوم على رأسه . كما قال تبارك وتعالى في المنافقين إذ وصفهم بالجبن : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ « 1 » . وقال جرير للأخطل يعيّره إيقاع قيس بهم : حملت عليك رجال قيس خيلها * شعثا عوابس تحمل الأبطالا ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم * خيلا تكر عليكم ورجالا ولو كان الأمر كما ذهب إليه أبو عبيد ما كان معناه يدخل في هذا الباب ؛ لأنه باب الجبان وما يذم من أخلاقه ، وليس الأخذ في الحذر من الجبن في شيء ، لأن أخذ
--> ( 1 ) سورة المنافقون الآية 4 .